الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
298
الأخلاق في القرآن
9 - « إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ » « 1 » . 10 - « رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ » « 2 » . تفسير وإستنتاج : « الآية الأولى » : تطرّقت للحديث عن دور ذكر اللَّه تعالى ، في خلق حالة الطّمأنينة في القلوب ؛ لِتتولّى إنقاذ الإنسان من حالات الزلّل والتّوتر ، وتوجهه فيها إلى تحقيق الفضائل الأخلاقية في واقع النّفس ، فيقول تعالى : « الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ » . ثمّ يبيّن قاعدةً كليّةً ، تقول : « أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ » . فما يجول في خاطر الإنسان وخُلدِه ، من الحُزن من المستقبل والتّفكير بالرّزق ، والموت والحياة والمرض وما شابهها من أمور الدنيا ، كلّها تدفع الإنسان للتّفكير الجاد في مصيره ، وتسلب منه الرّاحة النّفسية ، وتَورثه القلق الحقيقي نحو المستقبل المجهول . وكذلك عناصر : البخل والطّمع ، والحرص ، هي أيضاً من الأمور التي تزرع القلق والتّوتر في نفس الإنسان ، ولكن عندما يتجسّد ذِكر اللَّه الكريم ، الغني القوي ، الرّحمن الرّحيم ، الرزّاق في وعي الإنسان ، ويعيش الإيمان بأنّ اللَّه تعالى ، هو الواهب والمانع الحقيقي ، فعند ما تَتَجسّد هذه المعاني والمفاهيم ، وتتفاعل مع بعضها في واقع الإنسان في حركة الحياة ، فسوف يعيش الاطمئنان ، والسّكينة أمام تحدّيات الواقع ، فكلّ شيءٍ يراه مسيّراً لقدرة اللَّه تعالى وإرادته المطلقة ، وما شاء كانَ وما لَمْ يَشأ لم يكن . وبهذا سيطمئن الإنسان ، ويسلّم أمره إلى بارئِه ، وستزرع في نفسه حالة التّقوى وحبّ الفضائل ، وهو ما نَقرأه في الآية الشّريفة : « يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي » « 3 » .
--> ( 1 ) . سورة المائدة ، الآية 91 . ( 2 ) . سورة النّور ، الآية 37 . ( 3 ) . سورة الفجر ، الآية 27 إلى 30 .